عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
89
قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين
« لا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبه » « 1 » . وقال تعالى : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس : 82 ] . فالحق تعالى يحب ويريد ، فالحب والإرادة من شؤون اللّه تعالى ، وللحب مرتبة أخرى تظهر في الحق والخلق ، ولهذا تسمّى المرتبة الجامعة وهي : « مرتبة الود » . فإن اللّه يسمّى الودود ، فهو يودّ من يشاء لعله والخلق يودّونه ، فالود مرتبة مشتركة تظهر بالقدم في القديم وبالحدوث في المحدث ، والمودة من خصائصها الاشتراك لوقوعها من الجانبين . ولهذا قال اللّه تعالى : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [ الروم : 21 ] . فالمودة تكون من الجهتين فهي اسم للمحبة إذا ظهرت من المحب والمحبوب ؛ لأن الشيء إذا كان بين اثنين لا يختص به واحد دون الآخر ؛ بل هما مشتركان فيه ، فالود يشترك فيه كل من الزوجين فإذا صار كل منهما محبا للثاني محبوبا له كانت المحبة والمودة بينهما ظاهرة وهو نهاية مراتب العشق في الظهور لأجل وقوعه من الجانبين فقط ، وإلا فلا شيء في الخلق أعلى مرتبة من ظهور العشق ؛ إذ هو نار اللّه الموقدة فافهم ، واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل . الباب السادس في كيفيّة التعلّق بجنابة والعكوف على بابه صلى اللّه عليه وسلم اعلم وفقنا اللّه وإيّاك للوقوف ببابه والعكوف بجنابه أن اللّه تعالى لما أحبّه صلى اللّه عليه وسلم جعله شفيعا لخلقه إليه يوم القيامة وليس لأحد من الخلق عموم الشفاعة سواه ، وسرّ ذلك أن الأنبياء لم يبعثوا إلى كافة الخلق ، وإنما بعث على كافة الخلق محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فهو مقدمهم وراعيهم وكل راع مسؤول عن رعيته ، فأوجب اللّه عليه الشفاعة لهم والقيام بمصالحهم دنيا وآخرة ، وما أوجب عليه إلا ما وفّقه للقيام به ، فمن أجل ذلك وعده بالوسيلة التي
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 5 / 2384 ) ، والبيهقي في السنن الكبرى ( 3 / 346 ) .